ابراهيم مراد يكتب //تخبط الحقائق عبر شبكات التواصل

458

أن الإجراءات الطارئة التي أحاطت بالموقف الأمريكي لاحتواء الحالة غير المسبوقة في واشنطن، لم تقتصر على جانبيها الأمني والحكومى، وإنما امتدت إلى إجراءات أخرى، تجاوزت الواقع المعاش إلى العالم الافتراضى، متمثلا في مواقع التواصل الاجتماعى، عبر ملاحقة دعاة العنف، ليس فقط على المستوى الأمني، وإنما أيضا على المستوى الإلكترونى، وهو ما تجلى في أبهى صوره، في قرار موقع “تويتر” بحجب حساب الرئيس ترامب، بسبب مخاوف ارتبطت باحتمالات موجات جديدة من التحريض على الفوضى، سواء في أيامه الباقية بالبيت الأبيض، أو بعد خروجه منه في 20 يناير الجارى.

ولعل إجراءات “تويتر” بحق ترامب، تمثل امتدادا لما يمكننا تسميته بـ”زمن المراجعات” لثوابت عدة، طالما بشر بها الغرب، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، لسنوات طويلة، وعلى رأسها مفهوم الحرية، بأبعاده غير المحدودة، سواء فيما يتعلق بالتعبير عن الأراء أو المعتقدات، أو النشر، أو حتى حرية الحركة والانتقال، في ضوء معطيات كبيرة، تراوحت، بين فوضى سياسية أو مجتمعية، على غرار الواقع الأمريكي الحالي، ومن قبل في عدة دول أوروبية أو كوارث بيئية على خلفية ظاهرة التغيرات المناخية، أو تداعيات وبائية كارثية، كما هو الحال جراء تفشى فيروس كورونا المستجد، والذى أدى إلى وفاة ألاف البشر من كل أنحاء العالم.

يبدو أن مواقع التواصل الاجتماعى بمثابة أحد أدوات النظام الدولى الجديد، والتي ربما تشهد تطورا جديدا يضاف إلى تطوراتها المتلاحقة، منذ نشأتها، حيث أنها استهدفت في البداية مجرد تحقيق التواصل بين الأصدقاء، لتتطور بعد ذلك وتصبح وسيلة للانفتاح بين الشعوب والمجتمعات، بينما أصبحت فيما بعد “بوتقة” الثورة، إبان ما يسمى بـ”الربيع العربى”، لتتحول في أخر حلقات تطورها إلى وسيلة “العالم” الجديد لفرض قواعده، التي تبدو مختلفة إلى حد كبير عن تلك التي سبق وأن دعت إليها دول العالم المتقدم لعقود طويلة من الزمن.

وهنا تحولت مواقع التواصل الاجتماعى بمثابة من مجرد منصات إلكترونية تعكس واقعا افتراضيا، إلى آلية دولية، يمكن من خلالها فرض القواعد العالمية الجديدة، على غرار ما شهده العالم في مراحل “المخاض” الدولى المختلفة، عبر تدشين منصات، من شأنها إضفاء الصبغة الشرعية على السياسات التي تتبناها القوى العظمى للعالم، في مختلف المراحل، كما حدث في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، بتأسيس عصبة الأمم خلال مؤتمر باريس في عام 1919، أو بعد الحرب العالمية الثانية، بتأسيس الأمم المتحدة، والعديد من المنظمات الأخرى في الأربعينات من القرن الماضى، أو حتى بعد ذلك، عبر الاعتراف بالاتحاد الأوروبى، ليكون بمثابة “المحلل” للقيادة الأمريكية الأحادية للعالم، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتى، مع بداية عقد التسعينات.

ولكن يبقى الدور الذى تلعبه “السوشيال ميديا” في النظام الجديد لا يخرج عن إطارها المجتمعى، حيث كانت منظمات العالم القديم، في الأساس سياسية، تهدف إلى فرض قواعد النظام العالمى على الدول، عبر كيانات دولية تمثلها الدبلوماسية البحتة، بينما يبقى النظام الجديد مرهونا بتطورات مجتمعية باتت تناطح الساسة، في انعكاس صريح للاختلاف الكبير الذى يشهده المجتمع الدولى في المرحلة الراهنة، تحول خلالها الشارع من مجرد قوى اجتماعية، مساندة للحكومات، إلى تكتلات سياسية من شأنها إحداث تغيير حقيقى في المجتمعات، وبالتالي ربما تزايدت الحاجة لفرض المزيد من القيود عليه في المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.