الاعلاميه سناء منصور تكتب/(ايمنا الحلوه في القلعه).

41

من هنا ومن هذا المكان وبين أحضان التاريخ، تطرد العملة الجيدة العملة الرديئة ويطارد الفن الراقى والموسيقى أشباح التلوث والضجيج ورموز الانحطاط الفنى.. فمن لغير الموسيقى الحقيقية والفن والإبداع أن يشكل وجدان ووعى البشر وينقى نفوسهم ويزرع فيها قيم الحق والجمال والحب… فكما يقول بعض الفلاسفة: “من دون الموسيقى يبدو العالم فارغا والموسيقى تمنحنا شهوة الحلم والذهاب بعيدا فى الحنين وتعطى روحا للكون، وأجنحة للعقل”.

فالموسيقى لا تكذب، فإن كان ثمة تغيير  نريد إحداثه فى العالم، فالطريقة الوحيدة هى الموسيقى. فالفن الحقيقى هو من يصنع الأمة بحضارتها وتاريخها ووعيها ومجدها.

فى لحظة ما يتجلى مجد الغناء الأصيل عبر أيام قليلة يتحلق حوله الجميع، الصغار والكبار يرددون الكلمات ويتذوقون الألحان ويتأملون مجد التاريخ فى قلعة صلاح الدين.

وكأن التاريخ وقف شامخا فى محكى القلعة يتباهى بأصالة الفن المصرى والعربى وعراقته أيضا، فى أمسيات فنية بديعة فى جو صيفى رقيق النسمات التى تداعب وجوه آلاف البسطاء وتتسكع بين خصلات شعورهم منذ يوم السبت قبل الماضى وحتى ختام المهرجان الدولى للموسيقى بالقلعة يوم الأربعاء المقبل.

المتعة ممتدة حتى آخر رمق فيها مع نغمات الموسيقى العربية الأصيلة لفرق دار الأوبرا وأصواتها الشابة الشجية العذبة مع أصوات نجوم الفن والطرب والتواشيح فى مصر، الآلاف من البسطاء المتدفقة يوميا إلى ساحات القلعة كانت تقول الكثير فى صمت بليغ، فالفن الجيد مثل العملة الجيدة والوجبة الجيدة أيضا أينما توجد نكون نحن عشاقها وندماؤها وبأسعار زهيدة… المهم أن يستمر هذا الفن من القلعة إلى الساحات الشعبية وصور الثقافة وإلى الأماكن الأثرية والسياحية المفتوحة من القاهرة للإسكندرية للأقصر لأسوان وكفر الشيخ والمنصورة ودمياط ومرسى مطروح والواحات وغيرها، والمهم هنا الإرادة والإدارة فى إتاحة الفن للجميع وليس مجرد سلعة يتهافت عليها من يملك أكثر ، تلك هى الرسالة.

السبت قبل الماضى عشت هذه الأحاسيس واسترجعت معها زمان الفن الأصيل  وسط أكثر من 8 آلاف متفرج فى الليلة الرابعة من ليالى القلعة الموسيقية فى عامها الثلاثين.. استمتع الجميع على مدار أكثر من ثلاث ساعات بأمسية فنية راقية ورفيعة المستوى. كانت بمثابة حصة غسيل وتطهير كامل للوجدان والأذن والعين أيضا من التلوث البصرى لموجة العبث الغنائى  التى سادت الشارع المصرى من موقف ميكروباص بولاق وإمبابة وحتى عالم الزيف الفنى الشمالي.

موسيقى وألحان وكلمات وأصوات غاية فى الإبداع تفاعل معها الصغار قبل الكبار رغم أنها تعود لزمن مضى عليه نصف قرن تقريبا.. كلها جاءت في محبة الفنانة الرائعة وردة وبأصوات نجمات وزهرات الأوبرا المتألقات مروة ناجى ورضوى سعيد وشروق ومروة حمدي.

مروة ناجى انتزعت إعجاب الجميع بأداء مميز وواثق وقوى بقيادة المايسترو إيهاب عبد الغفار، وشدت بنخبة من أعمال الفنانة الراحلة تفاعل معها الحضور، وردد كلماتها منها فى يوم وليلة، أكذب عليك، ليالينا ويا أهل الهوى، وتفاعل الجمهور المنتشى بالأجواء التاريخية لمحكى القلعة والطقس الليلى البديع لشهر أغسطس مع  نجمات الأوبرا للموسيقى العربية رضوى سعيد، شروق، مروة حمدى اللاتى نجحن فى جذب الأنظار بجمال الأصوات وصدق الأداء وقدمن “أنا مالى، العيون السود ، لو سألوك، الربابة ووحشتونى “.

ثم يأتى دور الفتى الساحر بصوته وبأداء المدهش… فتى الغناء العربى …آخر شيوخ الطرب الذى يكاد يحمل وحده الآن راية الأصالة والغناء الحقيقى والتراث فى وجه العبث… مدحت صالح الذى أشعل المحكى وكاد أن ينطق التاريخ ويصفق من يسكن صفحاته وجدرانه فى القلعة مع كل أغنية يشدو بها… صفق الجمهور كثيرا وتنادى بحبه.. وبادلهم الفتى مدحت حبا بحب بعد كل أغنية “بحبكم”.

رأيت فى هذا الحفل مدحت الفتى الذى تمكن من الحفاظ على نفسه وصوته وبدأ فى لياقة بدنية وفنية كاملة الأوصاف. غنى وغنى معه الجمهور العاشق التواق للفن الحقيقى، وشدا بنخبة من اعماله الخاصة وعدد من مؤلفات التراث بمصاحبة الموسيقار وعازف البيانو الشهير عمرو سليم وفرقته كان منها برمى السلام ، راجعين يا هوى  ، يتقال ، المليونيرات ، يوم ما قابلتك ، 3 سلامات ، قلب واحد ، قد الوعد ، النور مكانة فى القلوب  ، ماشى فى ضلها ، مافيا ، وردى ، نورتى قلبى وابن مصر التى اختتم بها الحفل.

إلى جوارى جلس الصديق الدكتور الفنان مجدى صابر مدير دار الأوبرا المصرية، وبعد كل أغنية كان حوارا سريعا يدور بيننا عن دور الفن فى المجتمع، وأن هنا هو الساحل الشمالى للبسطاء من أهالينا فى القاهرة وبعض المحافظات الذين جاءوا باسمهم وأطفالهم لإثبات أن العدالة الثقافية حق للجميع، ومن حق كافة المصريين أن يستمتعوا بهذا الفن، لأنهم فى اشتياق إليه ويستطيع أن يعيدهم إلى رشدهم ووعيهم المفقود فى عصر كيكا وسيكا والكمون والشطة و” الرزع والهبد والدوشة”.

أيام المهرجان الموسيقى تلألأت بنجوم الفن مثل على الحجار وهانى شاكر وشيرين عبد الوهاب ونادية مصطفى وهشام عباس، حنان ماضي، النجمة اللبنانية نوال الزغبي، والموسيقار الكبير عمر خيرت»، بالإضافة إلى نجوم الغناء الشبابي، مثل :«دينا الوديدي، فريق وسط البلد، بلاك تيما، محمد محسن»، ولم تغفل أيضا عن تقديم الإنشاد الدينى بمشاركة شيخ المنشدين المصريين المنشد الكبير ياسين التهامي، وفرقة «مواويل» المنشد عبد الرحمن بلالة وسيد إمام، وفرقة «الحضرة»، حيث تجمع كافة ألوان الغناء لكى ترضى جميع الأذواق.

هل يتخيل أحد أن ثمن تذكرة الحفل الواحدة والتى قررتها دار الأوبرا المصرية برئاسة الدكتور مجدى صابر مدير الأوبرا هى 20 جنيها فقط؟.. فثمن التذكرة يمكن أسرة مكونة من 5 أفراد حضور الحفل بمائة جنيه فقط وبعد الحفل يمكنهم تناول وجبة عشاء شعبية فاخرة بالمائة الأخرى..!

 فى الحقيقة ما أثار إعجابى واندهاشى هو موافقة هؤلاء النجوم على الغناء أمام آلاف الناس من حى القلعة والسيدة والحسين وأحياء القاهرة الأخرى، فالمكان لا يتسع لأكثر من 10 آلاف شخص فقط ولو اتسع لأضعافه لامتلأ عن آخرهز

هل تتخيل أن يأتى يوم لحضور حفلة لمدحت أو الحجار أو شيرين أو هانى شاكر ثم أخير للموسيقار عمر خيرت بتذكرة ثمنها 20 جنيها ..؟! .. إنه الحلم الذى حلمنا به وناشدناه أن يأتى .

وها هو الحلم يصبح حقيقة ومشروعا نتمنى أن يستمر طوال العام لتنظيف آذن مصر ووجدانها.

الموسيقار الكبير عمر خيرت، والذى شكلت الموسيقى التى لحنها داخل الكثير من الأعمال الدرامية وخاصة فى السينما وجدان العديد من عشاق الفن الراقى المحترم، قرر المشاركة فى ختام حفلات القلعة للتأكيد على تواصله الدائم مع الجمهور من مختلف الفئات العمرية، وخاصًة من البسطاء ومحدودى الدخل والذين لا يقدرون على شراء تذكرة حفلاته الخاصة وليؤكد أنه واحد منهم وأنه واحد من المؤمنين بأن «الفن للجميع»، وأن الموسيقى غذاء للوجدان والروح.

يوم الأربعاء المقبل سوف يستمتع الآلاف فى القلعة بمجموعة كبيرة مميزة من موسيقى عمر خيرت ومنها :«صابر يا عم صابر، البخيل وأنا، ليلة القبض على فاطمة، ضمير أبلة حكمت، خلى بالك من عقلك، قضية عم أحمد، مسألة مبدأ، اللقاء الثاني، ترنيمة حب، عارفة، إعدام ميت، غوايش»، وغيرها من الألحان الموسيقية التى يتفاعل معها الجمهور.

الإرادة فى تقديم الفن الجيد والقيمة الحقيقية للإبداع  للناس من دار الأوبرا المصرية، تلاقت هذه المرة مع الرغبة الصادقة والنوايا المخلصة للقائمين على قناة ” الحياة” الفضائية  لإذاعة تلك الحفلات على الهواء مباشرة يوميا بعد أن قرر الصديق محمود التونى رئيس شبكة قناة “الحياة” بالاتفاق مع الدكتور مجدى صابر مدير دار الأوبرا على اذاعتها ومتابعة الملايين لها بما يعنى أن للثقافة والاعلام دورهما فى ترسيخ قيم الفن واستعادة الوعى المفقود للمجتمع المصري.

واقترح على الصديقين الدكتور مجدى صابر ومحمود التونى أن يستمر هذا التعاون طوال العام بتوجيهات معالى الوزيرة نيفين الكيلانى فى كافة المحافظات وداخل قصور الثقافة وساحات الأماكن التراثية والأثرية…. لتعود مرة أخرى أيام وليالى الفن الجميل فى زمن ” أضواء المدينة” ولم لا تكون هناك حفلات تحت اسم ” أضواء الحياة” ترعاها قناة الحياة مع وزارة الثقافة والمحليات ونقابة المهن الموسيقية .

وتحياتي..

بقلمي سناء منصور//

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.