محمودسعديكتب/الحوارالدائر بين امريكا والشرق الاوسط ..

84
خطط الانسحاب الأمريكي من مستنقعات الحروب ربما ليست جديدة، على الإطلاق، ففكرة الخروج من الشرق الأوسط والأدنى، كانت على سبيل المثال، ضمن الخطاب الانتخابى، الذى تبناه الرئيس الأسبق باراك أوباما منذ عام 2008، بل أنها كانت في صدارة وعوده آنذاك، حيث كانت الإدارات الأمريكية، خاصة فى أعقاب الحروب التي خاضتها أمريكا ردا على أحداث 11 سبتمبر، تدرك جيدا أن الأمور لن تكون على ما يرام، حال استمرار واشنطن في القيام بدور عسكرى، في مناطق الصراع، سواء على الجانب الاقتصادى، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي ضربت العالم، بين عامي 2007 و2008، أو على المستوى العسكرى، في ظل استهداف الجنود الأمريكيين في العديد من مناطق الصراع، والذى أسفر على خسائر كبيرة في الأرواح، ناهيك عما تتكبده الخزانة الأمريكية من ملايين إثر انغماسها في تلك المعارك.
ولكن الانسحاب العسكرى الأمريكي، على ما يبدو، كان في حاجة إلى بدائل لتبدأ واشنطن، مع بداية حقبة أوباما، أو ربما مع نهايات عهد سلفه جورج بوش الإبن، ما يمكننا تسميته بـ”رحلة البحث عن وكيل”، يمكنه حماية المصالح الأمريكية، في تلك المناطق، بحيث يمكنه ملء الفراع الناجم عن الغياب الأمريكي، عبر دعمهم اقتصاديا، دون الانغماس المباشر في مناطق الصراع، وما ينجم عنه من خسائر كبيرة، في الوقت الذى يمكن من خلاله للولايات المتحدة، توطيد نفوذها في مناطق جديدة، تتناسب مع معطيات الصراع الجديد، مع الصين، والتي تسعى، على الأقل، للمشاركة في صناعة القرار الدولى، في المرحلة المقبلة، والتي قد تشهد نظاما جديدا لن تنفرد فيه قوى بعينها بقيادة العالم.
فلو نظرنا إلى التحركات الأمريكية خلال تلك السنوات، بدءً من ولاية أوباما الأولى، ربما نجد تغييرات عميقة في السياسة الأمريكية، بدأت بالتخلى عن الحلفاء التقليديين، في منطقة الشرق الأوسط، وتقديم دعم غير مشروط للتنظيمات المتطرفة، وهو ما تجلى في أبهى صوره خلال “الربيع العربى” إلى حد تمكينهم، من السلطة في بلدانهم، مقابل القيام بدور “الوكيل” الأمريكي كل في بلده، عبر تحويلهم إلى أدوات طيعة، يمكن من خلالها، حماية مصالح واشنطن، في مرحلة ما بعد الانسحاب، في إطار سياسة “الولاء مقابل التمكين”، وهى السياسة التي طالما استخدمتها العديد من القوى الإقليمية، خاصة في منطقتنا، من أجل توسيع نفوذها على حساب القوى العربية الرئيسية.
إلا أن فشل ما يمكننا تسميته بـ”صفقة” الربيع العربى، كان صدمة كبيرة، ليس فقط لتلك التنظيمات التي لاحت لها السلطة، بعد سنوات من “الجهاد” من أجل الكرسى، وإنما أيضا للولايات المتحدة، والتي فشلت مخططاتها فعليا، خاصة بعد ثورة 30 يونيو في مصر، والتي كانت بمثابة نقطة الانطلاق للعديد من الدول الأخرى في المنطقة، لتحقيق انتصارات متتالية على الإرهاب، استطاعت القضاء فعليا على “الوكيل” المنشود، الذى يمكنه تحقيق تلك المعادلة التي تطمح إليها واشنطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.